|
بين المؤشرات الإقتصادية الباعثة أملاً بانتهاء الأزمة
العالمية، وبين آثار هذه الأزمة مستقبلاً، بعدٌ في الإتجاهات
وفي التوازنات، ففي حين ترصد حركة أسواق المال، لا سيّما في
البلدان الناشئة، تحسناً يشمل أيضاً مؤشرات الإستهلاك
العالمية، ومؤشرات الثقة في الإقتصاد والارتياح إلى المستقبل،
تبقى مخازن الشركات الكبرى تغصّ بالمخزونات، ومؤشرات الصناعات
التحويلية تعاند التراجع لتحقق نقاطاً ارتدادية نحو الحد
الوسطي.
ويترجم المدير العام للبحوث والدراسات في ناتيكسيس (مصرف إنماء
وإستثمار ومؤشر لأسعار أسهم الشركات) آثار هذا الانتعاش بحجم
الإستثمارات في بورصات البلدان الناشئة، فيقدّره بثلاثة
تريليونات دولار بين آب (أغسطس) 2008 ونيسان (أبريل) 2009، من
ثم بمعدل 300 بليون دولار شهرياً، ما يفسّر تذبذب أرباح
الشركات، ويتحدّث عن عودة مستثمرين إلى أسواق المواد الأولية
وحتى إلى شراء أسهم مسمومة بضمان صناديق إستثمار.
هذه الفسحة الصحية قد لا تعمر كثيراً، فالانفراج قد يزول
سريعاً، ويجب توقع ألا ينطلق الإقتصاد قبل سنة، ولا يعني ذلك
أن تداعيات الأزمة أنهت فصولها.
فالحكومات، وبهدف تطويق استفحال الأزمة ووضع حدٍّ لانهيار
الإقتصاد، تبنت برامج إنعاشٍ إقتصادية رصدت لها تريليونات
الدولارات، وتلازمت معها خطط تدعم الإنفاق الخاص، تقضي باختزال
الضرائب والرسوم على المكلفين، وتعزيز الأجور بإعفائها من
الضرائب على الدخل، هذه الإجراءات أدّت حكماً إلى هزال موارد
خزانات المال العام،
ما دفع الحكومات إلى الاقتراض وتضخيم حجم ديون الدول.
وللمرة الأولى منذ معاهدة ماستريشت الأوروبية مثلاً، تجد
حكومات دولٍ أعضاء في الإتحاد الأوروبي، وبخاصةٍ في منطقة
اليورو، مضطرةً إلى أن يتجاوز عجز موازناتها العامة 3% (من حجم
الموازنة) المسموح به في المعاهدة، وللمرة الأولى تجد
الصين نفسها، على رغم فوائض المال المتوافرة لها، أمام معضلة
الدين العام.
عام 2006، تدرجت الديون العامة في لائحة الدول التي ينشرها
البنك الدولي بين 4% من الناتج المحلي لسلطنة عُمان و190%
للبنان، وكانت الديون العامة للولايات المتحدة وفرنسا وكندا
وبلجيكا لا تتجاوز 65% من الناتج في2008، وبحسب صندوق النقد
الدولي، فإن أول عشر دول الأغنى في العالم ترى حجم ديونها
العامة يتسارع من 78% في 2007 إلى 110% لغاية 2010، محمّلةً كل
مواطنٍ لديها 50 ألف دولار ديناً أو عبئاً إقتصادياً حتى منتصف
القرن الحادي والعشرين على الأقل.
وعلى رغم التجاذب بين مدرستين حول الدين العام، أولى تحبّذه
وثانية تراه كارثة إقتصادية، فإن الخروج من الأزمة لا يتم إلا
بالإنفاق العام والخاص لكن، مع تقليص موارد الخزائن العامة
تضطر الحكومات إلى أن تلجأ إلى القروض سواء من صناديق أممية أو
من مانحين أو عبر إصدارها سندات خزينة.
وتشهد أوضاع الصين، حيث معدل الإدخار قياسي والمال العام ضخم،
معدل دين عام يوازي 35% من ناتجها المحلي، وهو معدل استثنائي
يرتبط بخطتها لإنعاش الإقتصاد الوطني البالغة 585 بليون دولار،
ولا تمول مواردها من الضرائب سوى ربع تكاليفها، فاضطرت إلى
إصدار سندات تغطي النفقات بها، ما دفع بنك الشعب الصيني
(المركزي) إلى التنبيه من أخطار هذا الإنفاق.
وإذا كانت الصين، التي لم يعرف إقتصادها انكماشاً سلبياً جرّاء
الأزمة، دخلت نادي (الديون العامة)، فكيف بالولايات المتحدة
وكندا والبلدان الأوروبية من دون استثناء، وبعض دول الخليج
والمغرب العربي؟ لكن هذه الديون تقترن بخطة إقتصاد عالمية،
اتفق عليها في قمة الدول العشرين (نيسان / أبريل الماضي)،
واختصرها الرئيس الأميركي بـ الإصلاح، وهو إصلاح أكثر ما يصيب
أنظمة الرعاية الصحية
والاجتماعية، لا سيما لناحية خدمة الذين يحالون على التقاعد أو
المعاش.
ترى إيكونوميست، أنه من أجل تقليص النفقات لا بد من إجراء
إصلاحات، تقوي الإطار المؤسساتي، لكنها تشدد على موضوع نهاية
الخدمة، وتعتبر أن زيادة سنوات الخدمة من شأنه أن يخفف العبء،
حتى الآن لم ينجح السياسيون في محو أعباء الشيخوخة، وهي أعباء
تتراكم مع الجيل الذي يحمل كل فردٍ منه الآن 50 ألف دولار
ديناً، فعند منتصف هذا
القرن يكون بلغ سن التقاعد أيضاً.
فهل تبقى أعباء الدول الإقتصادية تحت ضغط ديونها العامة وضغط
تكاليف رعايتها الصحية والإجتماعية؟
(الحياة). |