|
مدينة وهران ثاني أكبر المدن في الجزائر، وعاصمة الغرب
الجزائري، أو الباهية (من البهاء) كما تعرف في الجزائر،
وهي فعلا باهية؛ إنها عروس من عرائس البحر الأبيض المتوسط،
مدينة الفن التي انطلق منها فن الراي الغنائي إلى
العالمية، وانطلق منها مغنو الراي المشاهير، مثل الشاب
خالد والشاب مامي.
وإذا كنت تبحث عن الإستمتاع بالبحر المتوسط في زرقته
البهية وشواطئه الذهبية، فلن تجد أفضل من وهران الجزائرية،
وإذا كنت من هواة الإسكتشاف الفني، فإن وهران توفر لك
أطباقها الفنية المتنوعة، من غناء الراي ومهرجانه السنوي،
إلى السينما ومهرجان الفيلم العربي الذي بدأ يترسخ تقليده
في المدينة، إلى المهرجان المتوسطي للفنون البصرية، وهذه
المهرجانات تنظم عادة في أثناء فصل الصيف.
وإذا كنت تريد تغيير الأجواء واكتشاف مدينة مليئة بالحركة
والحياة بتعداد سكاني يقارب 1.5 مليون نسمة، مدينة متعددة
الآفاق، في حوار دائم مع البحر والصخر وكورنيش بديع،
وضواحٍ بحرية وجبلية تدهش وتمتع النظر، فلن تجد أفضل من
وهران، وإذا كنت تريد إسكتشاف إرث حضاري وتاريخي وتنوع
معماري يجمع بين الهندسة المعمارية العربية الأندلسية،
والإسلامية العثمانية والهندسة المعمارية الأوروبية
الإسبانية والفرنسية والمعمار الحديث، فلن تجد أفضل من
وهران، التي تقدم لك كل هذا الموزاييك المعماري على طبق من
ذهب.
أصل اسم المدينة يعود إلى اللغة الأمازيغية (البربرية)،
معناه الأسدان (المفرد وهرا والمثنى وهران)، وما زال
الأسدان شعار المدينة حتى اليوم، وهناك تمثالان للأسدين
أمام مقر بلدية وهران اليوم، وهناك أسطورة شعبية تقول إنه
في القرن التاسع قبل الميلاد كان يمكن رؤية أسود في
المنطقة، وإن آخر أسدين قُتلا في جبل قرب وهران يسمى جبل
الأسود.
وقد قام البحارة الأندلسيون بتأسيس المدينة عام 902
ميلادي، وأصبحت مدينة وهران بعدها محط نزاع بين الأمويين
في الأندلس والفاطميين بالقيروان التونسية، إلى أن عادت
الغلبة للأمويين ليضموا المدينة إلى نفوذهم عام 1016
ميلادي، وبسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها كميناء تجاري،
ظلت وهران لقرون طويلة محطّ صراع بين عدة دول في المنطقة،
من بينها دولة المرابطين ودولة بني عبد الواد، والدولتان
الحفصية والمرينية، إلى جانب الدولة الزيانية.
وليس هناك مَن وثق أهمية وهران أفضل من المؤرخ المشهور ابن
خلدون، الذي يقول عن المدينة إنها تتفوق على المدن الأخرى
بتجارتها، ويصفها بجنة الحزين، وأن من يصلون جدرانها
فقراء، سيتركونها وهم أغنياء، وأدى الصراع وتفكك الدول
الإسلامية المتصارعة في المنطقة إلى تمكين الإسبان من
الإستيلاء على وهران عام 1509.
وقد استمرت سيطرة الإسبان على المدينة نحو 60 عاما إلى أن
عاد العثمانيون عبر الباي محمد بن عثمان الكبير ليحاصروا
المدينة مجددا، ويروى أنه في أثناء اليوم الأول من الحصار
البحري ضرب المدينة زلزال كبير فدمرها عن آخرها، ورغم أنه
كان بمقدور الباي عثمان الكبير مهاجمة المدينة والإستيلاء
عليها بسهولة، فإنه من موقع الإحترام آثر ترك الإسبان
يدفنون موتاهم.
وتداول على حكمها عدد من البايات (الحكام) الأتراك كان
آخرهم حسن باي، الذي استسلم للفرنسيين وتنازل لهم عن
المدينة عام 1831، أي بعد نحو عام من بداية الإحتلال
الفرنسي للجزائر بالسيطرة على مدينة الجزائر العاصمة عام
1830، وقد أُجبر الباي حسن على الإستسلام للفرنسيين بقيادة
الماريشال بورمون الذي استطاع الإستيلاء على المرسى الكبير
وحاصر المدينة، وكان من شروط الإستسلام حينها رحيل الباي
برفقة عائلته إلى مكة المكرمة.
وقد احتفظ الفرنسيون طيلة فترة استعمارهم للجزائر (من 1830
إلى 1962) بمدينة وهران كعاصمة لجهة الغرب الجزائري،
وحافظت وهران على مكانتها الإقتصادية والثقافية والفنية
بعد استقلال الجزائر، وقد تدعمت بعدد من المشاريع
الإقتصادية الكبرى، من ببينها ضاحية أرزيو الصناعية التي
تعتبر من أهم مراكز الصناعة البتروكيمياوية في الجزائر،
كما تحتوي على ثلاث جامعات من بينها جامعة للعلوم
والتكنولوجيا (بالسانية)، كما ظلت وهران مركز إشعاع ثقافي
ومركز حركة فنية ثرية ومؤثرة، فمنها انطلق واشتهر أدباء
وفنانون بارزون من أمثال الكاتب والشاعر الراحل بختي بن
عودة والمطربين والملحنين أحمد وهبي وبلاوي الهواري، ومن
وهران أيضا انطلق وانتشر فن الراي الغنائي إلى أن بلغ
العالمية عبر أصوات مغنين من أمثال الشاب خالد، الذي يعتبر
أشهر مغنٍّ عربي في العالم. ويوجد في وهران معلمان ثقافيان
بارزان: قصر الثقافة، والمسرح الجهوي الذي يعتبر من أبرز
المدارس المسرحية في الجزائر، وفيها تخرج عدد كبير من أبرز
الممثلين والمخرجين المسرحيين في الجزائر، مثل الراحل عبد
القادر علولة.
وإذا أردت زيارة وهران، فإن أسرع طريقة ممكنة هي عبر الجو،
ويتوفر في وهران مطار دولي بضاحية السانية (على بعد نحو 12
كيلومترا عن وسط المدينة)، وهناك العديد من الرحلات
المباشرة من وإلى وهران، وإلى عدد من الدول العربية
(المغرب وتونس خصوصا) والأوروبية (عدد من المدن الفرنسية
والإسبانية من بينها العاصمتان باريس ومدريد)، ووهران
مرتبطة أيضا بمطار الجزائر العاصمة الدولي ومدن جزائرية
أخرى برحلات جوية يومية تقريبا، كما أنه في الإمكان بلوغ
وهران عبر البحر، حيث تتوفر رحلات بحرية بشكل شبه يومي من
ميناء مدينة مارسيليا الفرنسية ومينائي المريا واليكنت
الإسبانيين.
وتتوفر وهران على فسيفساء معمارية متنوعة وغنية، ومن بينها
الأحياء القديمة في المدينة مثل حي سيدي الهواري الذي أطلق
على الولي الصالح الذي يعتبر مزاره من أشهر معالم المدينة،
ويستقطب زوارا بشكل يومي من المدينة ومن خارجها، وتنظم فيه
ما يمسى (زرداً) أو ولائم في مناسبات دينية إسلامية مختلفة
تتم إما عبر تعاون جماعي وإما بتبرع من ميسورين، والغرض
منها إطعام المحتاجين. ومن الأحياء الأخرى التي تغري
بالاكتشاف حي المدينة الجديدة المشهورة بصناعاته
التقليدية، ومن المعالم الأخرى القديمة المسجد الكبير أو
مسجد الباشا الأثري، الذي يعود إلى القرن الثامن عشر
الميلادي، وهو جزء من قصر الباي محمد الكبير الذي يعود
تاريخ بنائه إلى نهايات القرن السابع عشر.
وتعتبر قصبة وهران بالمرسى الكبير من المواقع الأثرية
المهمة، وتشمل آثارا إسبانية من بينها حصون، ويعتبر وسط
وهران تحفة معمارية جميلة، إذ فيه الكثير من الأيقونات
المعمارية الثقافية مثل المسرح الوطني الجزائري الجهوي
بوهران، وقصر الثقافة، كما أن المتحف الوطني (متحف زبانة)
محطة يجب التوقف عندها، حيث يحتوي المتحف على العديد من
التحف والآثار التي يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد،
وتؤرخ للحقب التاريخية والحضارات التي تعاقبت على وهران
وعلى المنطقة الغربية من الجزائر عموماً، وإلى جانب
المعالم المعمارية، فإن النهر الصغير من المعالم الطبيعية
الجميلة التي تستحق الزيارة في وهران، وهناك خطط لجعل
المنطقة المحيطة به قطبا سياحيا للرياضات المائية، والنهر
هو ثاني أكبر نهر بالمنطقة بعد سبخة وهران، وهو نهر مالح،
وبالإمكان أيضا اتخاذ وهران منطلقا لإسكتشاف مناطق أخرى في
الجهة الغربية من الجزائر، وزيارة مدن قريبة من وهران مثل
مستغانم وسيدي بلعباس وتلمسان.
|